ابن أبي العز الحنفي
428
شرح العقيدة الطحاوية
فمن أدلة القول الأول منهما : قوله تعالى : قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ الانعام : 128 . وقوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ . خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ هود : 106 - 107 . ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة ، وهو قوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ هود : 108 . وقوله تعالى : لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً النبأ : 23 . وهذا القول ، أعني القول بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر ، وابن مسعود ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وغيرهم . وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور ، بسنده إلى عمر رضي اللّه عنه ، أنه قال : « لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج ، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه » « 601 » ، ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى :
--> ( 601 ) ضعيف لأنه من رواية الحسن قال : قال عمر : والحسن لم يدرك عمر رضي اللّه عنه . وقال ابن القيم في « حادي الأرواح » ( 2 / 71 طبع الكردي ) عقبه : والحسن لم يسمع من عمر . ومع ذلك فقد حاول تقويته بكلام خطابي ، لا غناء فيه . « وحسبك بهذا الاسناد جلالة ( ! ) والحسن وإن لم يسمع من عمر فإنما رواه عن بعض التابعين ، ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به ، وقال : قال عمر بن الخطاب » ! قلت : وهذا كلام عجيب من مثل ابن القيم رحمه اللّه ، لأن معناه الاحتجاج بحديث التابعي المجهول العين ! لأنه إذا كان الحسن قد أخذه من بعض التابعين ، فمن هو ؟ وما حاله في الحديث حفظا وضبطا ؟ أليس منطق ابن القيم هذا يؤدي إلى قلب القواعد الأصولية الحديثية التي تجعل حديث المجهول ضعيفا ، والحديث المرسل والمنقطع ضعيفا كذلك ، لأنهما يرجعان إلى راو لم يذكر ولم يسم ؟ ! ويؤدي كذلك إلى قبول أحاديث الحسن البصري المعنعنة ، فضلا عن المنقطعة والمرسلة ، مثل حديثه عن سمرة « لما حملت حواء طاف بها إبليس ، وكان لا يعيش لها ولد ، فقال : سميه عبد الحارث ، فسمته عبد الحارث ، فعاش ، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره » . وهو حديث ضعيف ، بل باطل ، ولا علة فيه سوى عنعنة الحسن البصري ، وقد فسر هو الآية التي يفسرها بعض المفسرين بهذا الحديث ، فسرها الحسن نفسه بغير ما دل عليه حديثه ، وتبعه على ذلك بعض المحققين ، منهم ابن القيم نفسه ، كما بينت ذلك في « سلسلة الأحاديث الضعيفة » ( رقم الحديث 342 ) . -